الأحد، 5 أغسطس 2012

مغرر بهم

في علم الاجتماع تعرف الجماعة عادة على أنها مجموعة من الناس الذين يتعرفون و يتفاعلون مع بعضهم البعض. هناك العديد من الطرق التي تستخدم لتعريف الجماعة فمثلا قد تستخدم اللغة (العرب، الفرنسيون، الإنجليز، الفرس) و قد يستخدم العرق (الأنجلوساكسونين، الزنوج، الأكراد) و قد يستخدم الدين لتعريف الجماعة من حيث إيمانهم بالأديان ، فيصبح لدينا جماعة (المؤمنين, الملحدين, المشككين, اللاأدريين) و أيضا نستطيع تعريف جماعات فرعية لكل جماعة، فلو أخذنا جماعة المؤمنين فبالإمكان تقسيمها (مسلمين، مسيحيين، يهود، مجوس، بوذيين ... الخ). هذا التقسيم يعتبر مبسط جدا فهو يأخذ بالاعتبار عاملا واحدا فقط (اللغة، العرق، الإيمان، الدين ... الخ)  و يقسم على أساسه الناس إلى جماعات مختلفة. يمكن أن نقول بأن عددا من الأفراد يمثل جماعة معينة إذا كانوا يشيرون إلى أنفسهم بطريقة جمعية، أي باستعمال "نحن". الفئات من المجتمع التي لا تعرف نفسها بهذه الطريقة لا ينطبق عليها مصطلح جماعة في علم الاجتماع و مثالها: فئة الرجال الذين يحبون مقابض الباب الدائرية، أو فئة النساء اللاتي تحب النوتيلا. هذه الفئات من المجتمع لا تمثل مجموعة بالعرف الاجتماعي و لو كان عددها كبير لأنها لا تعرف نفسها عادة بناءً على هذا العامل.

هناك العديد من الأسباب لتكون الجماعات، قد يكون أهمها بأنها تساعد الإنسان على الفهم، فمثلا الطبيب قد يتحاشى الحديث عن آخر الطرق لمعالجة السرطان إذا علم بأن الذي يتحدث إليه سائق شاحنة. ففي هذا المثال يعرف الطبيب مجموعة سائقي الشاحنات على أنهم غير مهتمين بالأبحاث الطبية و السرطان. تجدر الإشارة بأن الطبيب في هذه الحالة يقوم بعملية تعميم و ربط بين الوظيفة و الإهتمام و هذا التعميم و الربط  قد لا يكون صائبا.

يقول عالم النفس الاجتماعي هنري تاجفل و زميله جون ترنر بأن الجماعة بطبيعتها تميل إلى تضخيم ما يعتبره الأفراد إيجابيات الجماعة لإثبات بأنهم أفضل من الجماعات المختلفة عنها. هذه النزعة لإثبات بأن هذه الجماعة أفضل من غيرها نابعة من رغبة الأفراد للشعور بالرضا عن أنفسهم، يجادل الكثير من علماء النفس بأن الإنسان يحتاج للشعور بالرضا عن نفسه و الأمر نفسه ينطبق على الجماعات لأن الإنسان يعرف نفسه كمنتمي لها و ما يحدث لها ينعكس بالضرورة عليه، بمعنى أن تفوق الجماعة على جماعة أخرى يعني تفوق الفرد المنتمي إليها على الفرد المنتمي للجماعة الأخرى و يعني المزيد من الشعور بالرضا.

تتبع الجماعات الكثير من الأساليب لإبراز التفوق على الجماعات الأخرى أحد هذه الأساليب هو انتقاء عناصر المقارنة بحيث تبدو الجماعة أفضل من غيرها. في هذا المجال أتذكر مقطع  فيديو مؤلم انتشر بسرعة على الانترنت لفتاة في الصين تعرضت للدهس مرتين في شارع مزدحم بالمارة و لم يقم أحد بانقاذها لفترة طويلة مما أدى بالنهاية إلى وفاتها. شاهدت المقطع لأول مرة في إحدى المدونات العربية و كانت الكثير من التعليقات على المقطع تقول بأن الصينين امتلكوا التطور الاقتصادي و فقدوا الأخلاق بينما نحن (العرب، المسلمون) حافظنا على أخلاقنا و بأن هذا المشهد يستحيل حدوثه في جماعتنا.
هذه هي الحداثة والتقدم المزعوم ! التي تفقد الانسان انسانيته , وينحدر الي مراتب أقــل من الحيوان بكثير
فالتقدم والعلوم والاكتشافات والحضارات التي تبني دون انسانية ولا أخلاق
ماهيا إلا غابــــــــة يأكل فيها القوي الضعيف
هؤلاء لا ضوابط ولا ثوابت تحكمهم لتحافظ علي انسانيتهم واخلاقهم
فالحمد لله علي نعمة الاســــــــــــلام
عن نفسي لم أشاهد الفيديو تأففا من محتواه …..
أحد التعليقات على مقطع الطفلة الصينية.

بما أن الجماعة بطبيعتها تبحث عادة عن الشعور بالتفوق على الجماعات الباقية و بما أن هذا الشعور قد يكون متأصلاً في نفسية الأفراد المنتمين الى الجماعة، أي أنهم يؤمنون حقا بأن جماعتهم أفضل من غيرهم فإن الجماعة لا تتقبل فكرة انتقال شخص من المنتمين إليها إلى جماعة أخرى و في بعض الأحيان محاربتها. فإن ذلك يعني في نظرهم انتقال شخص من جماعة أفضل إلى جماعة أقل و أسوأ منها. القرآن يذكر مثل هذه الأحاديث فقوم نوح على سبيل المثال {قَالُوا أَنُؤْمِنُ لَكَ وَاتَّبَعَكَ الْأَرْذَلُونَ} فهم يصفون من اتبع نوحا بالأراذل و الأرذل هو الدون من الناس (معجم لسان العرب). بمعنى أن قوم نوح يتساءلون كيف تريدنا أن نؤمن و ننتقل إلى جماعتك الأقل منا رتبة؟ و في موضع آخر يتضح منطقهم عندما يقولون {وَمَا نَرَاكَ اتَّبَعَكَ إِلَّا الَّذِينَ هُمْ أَرَاذِلُنَا بَادِيَ الرَّأْيِ وَمَا نَرَىٰ لَكُمْ عَلَيْنَا مِن فَضْلٍ} فهم هنا يصرحون بأنهم يرون أنفسهم (جماعتهم) أفضل من جماعة نوح و أنه ليس بأفضل منهم لذلك الانتقال في نظرهم إلى جماعة النبي أمرٌ ليس عقلانيا. و للتأكيد على عدم عقلانية هذا العمل فقد قالوا عن نوح بأنه مجنون {كَذَّبَتْ قَبْلَهُمْ قَوْمُ نُوحٍ فَكَذَّبُوا عَبْدَنَا وَقَالُوا مَجْنُونٌ وَازْدُجِرَ}. وصف النبي بالجنون يعطي تفسيرا يتلاءم مع أفكارهم السابقة بأنهم أفضل من غيرهم فيصبح  خروج النبي عليهم و تكوين جماعة منفصلة عمل لاعقلاني ناتج عن الجنون.

وصف الخارجين عن الجماعة باللاعقلانية ليس منحسرا على دعوات الأنبياء فهذه الظاهرة يمكن رصدها بسهولة في عصرنا و في مجتمعنا. أنا -على سبيل المثال- أعيش في مجتمع يمكن اعتباره أحد خطوط التماس لفرقتين دينيتين متصارعتين. في مثل هذه البيئة يصبح عادة المرور على خط التماس و الانتقال من جماعة لأخرى فعل يصعب تجاهله. يوصف المنتقلين من جماعة لأخرى بـ"المغرر بهم"، ترافق عملية الانتقال في بعض الأحيان وصف المنتقلين بالجهل أو الانخداع و تلقى التهمة في بعض الأحيان على عوامل دخيلة على الجماعة تحاول الإفساد عليها و التآمر. أيضا في مثل هذه البيئة يصبح وضع التائبين (الذين انتقلوا من جماعتهم ثم عاودوا الرجوع لجماعتهم السابقة) أمرا مثيرا للكثير من التكهنات. الرجوع إلى الجماعة الأصلية بعد الإنتقال منها يوحي بأن الجماعة المنتَقل إليها أقل شأنا من الجماعة الأصلية و بأن الإنتقال الأولي لم يكن عملا عقلانيا. و ذلك يعزز فكرة "المغرر بهم"

أيضا في موضوع الإنتقال من جماعة لأخرى، يُلاحظ بأن الجماعات الفرعية المتنافسة تلقي بتهمة الإنتقال من الجماعة الرئيسية على بعضها البعض. لنأخذ مثال الجماعة الإسلامية كجماعة رئيسية. هذه الجماعة الرئيسية يمكن تقسيمها إلى جماعات فرعية كثيرة منها (أهل الحديث، الإثنى عشرية، الأباضية، العلوية، السلفية، المعتزلة، الصوفية،...الخ ) جميع هذه الجماعات الفرعية تنتمي إلى الجماعة الكبرى و هي الإسلام. في حالة انتقال شخص من الجماعة الرئيسية (الإسلام) إلى جماعة دينية أخرى (النصرانية، اليهودية ...الخ) أو إلى جماعة إيمانية مختلفة (الإلحاد, التشكيك ....الخ) فإن هذه الجماعات الفرعية تقوم عادة بلوم الجماعات الفرعية الأخرى. فهذا هو رائد السمهوري صاحب كتاب "نقد الخطاب السلفي" يكتب قصيدة يلقي فيها اللوم على من يصفهم بالإرهاب و التكفير في موضوع الإلحاد:
يتساءلون: من المشكك في الهدى؟.. من أين تأتي هذه الهبات؟ 
 هبات إلحاد ولادينية .. عصفت بجيل مثله الزهرات؟
أنتم وربي أصل كل بلية .. إرهابكم والغدر والطعنات 
 أنتم تصدون العباد عن الهدى .. فالظلم تملأ ساحه الظلمات
ورفعتم التكفير سيفا مصلتا .. فوق الرقاب لكم به صولات
و هذا اللوم يطال باقي الفئات من الشيعة و الليبرالين و غيرهم. فكلما زاد التنافس بين جماعتين فرعتين في بيئة ما كلما زادت احتمالية لومها للطرف الآخر على حادثة الانتقال من الجماعة الرئيسية. كل هذ اللوم و تبادل الإتهامات يكرس فكرة الفوقية لدى الجماعة و بأن الخارج منها "مغرر به" مخدوع و يستبعد غالبا فكرة كون الخروج من الجماعة عملا عقلانياً.

في النهاية، كفرد عندما أعرف نفسي كمنتمٍ لجماعة اختيارية ما فإنه من الطبيعي أن أعتقد بأن هذه الجماعة تتفوق على غيرها، لكني في نفس الوقت أؤمن بأنني كائنٌ معرض للخطأ و بأن الخارج عن جماعتي قد يكون محقاً. هذا يقودني للابتعاد عن أسلوب قوم نوح برمي الناس بالجنون أو وصفهم بالأراذل و المغرر بهم لأنهم اختاروا لأنفسهم جماعة غير جماعتي.

=====================================
المراجع:
Cargun, D.& Cargun R. T. 2006. Introduction to Sociology. Wikibooks Available online at: http://www.e-booksdirectory.com/details.php?ebook=1063

Turner, J. & Oakes, P. 1986. The significance of the social identity concept for social psychology with reference to individualism, interactionism and social influence. British Journal of Social Psychology 25 (3): 237–252.





الجمعة، 3 أغسطس 2012

جحجاح!؟

و أنت تقرأ هذا السطر عزيزي القارئ بودي أن تعلم بأن كتابته جاءت بعد تسعة أشهر من التردد و التفكر و التأمل، في الواقع التسعة أشهر لم تكن مرتبطة بهذا السطر بالتحديد بل بإنشاء المدونة. فكنت-و لا زلت نوعاً ما- أعتقد بأنني لا أمتلك المقدرة على الكتابة الطويلة، و بمناسبة الحديث عن الكتابة الطويلة أحب أن أغتنم الفرصة لأشكر وزارة التربية و التعليم على تعليمي كيفية كتابة رسالة (اعتذار، عزاء، تهنئة) في الصف الرابع و الخامس و السادس وصولاً لثالث متوسط. كما أن الوزارة أحسنت صنعاً عندما لم تضف موضوع (رسالة شكوى) في المنهج. 

يكفي من الوزارة الآن، و لأعرج على السبب الثاني الذي جعلني أتردد في إنشاء المدونة و هو اعتقادي بأني لا أمتلك ما أضيفه للناس، و كنت أشعر بالذنب لأني سأضيع وقت القارئ في أشياء قد لا تفيده. 


إذا لماذا المدونة و أنت فاشل في الكتابة و العلم؟؟

السبب الذي جعلني أشرع في هذه المدونة هو نفسه السبب الذي كان يمنعني. بمعنى أنه لن تتحسن كتابتي إلا إذا بدأت بالكتابة و لن يزداد علمي بدون الحاجة إلى البحث. لذلك فإني آمل بأن تكون هذه المدونة سبيلا لتحسين مهاراتي الكتابية و دافعا لي للبحث و التطوير. فإن كنتَ، عزيزي القارئ، مثلي تفكر في الكتابة و لكن تواجهك هاتان العقبتان، فاعلم أنك لست وحيداً و أدعوك لمشاركتي هذه التجربة.


أخيرا، اسم المدونة هو جِحجَاج بكسر الجيم الأول و فتح الأخير تنطق مثل "مِضمَار" و تعني السيد الكريم، و لعلي أُفردُ لقصة اختيار (سرقة) الاسم تدوينة أخرى.